Menu

من أي طينة خلقوا وجاءوا!

في ظل التهافت التطبيعي العربي: ماذا يقول الإسرائيليون عن  الحكام العرب؟

نواف الزرو

"أَنَا يُوسُفٌ يَا أَبِي. يَا أَبِي، إِخْوَتِي لَا يُحِبُّونَنِي، لاَ يُريدُونَنِي بَيْنَهُم أَبِي. يَعتدُونَ عَلَيَّ وَيرْمُونَنِي بِالحَصَى وَالكَلَامِ يُرِيدُونَنِي أَنْ أَمُوتَ لِكَيْ يَمْدَحُونِي. وَهُمْ أَوْصَدُوا بَابَ بَيْتِك دُونِي. وَهُمْ طرَدُونِي مِنَ الحَقْلِ".

واضح أن مشهد الانهيار الرسمي العربي والتهافت التطبيعي أمام العدو الصهيوني، أصبح المعلم الرئيسي في هذه المرحلة، فحينما تصف بعض المصادر السياسية والإعلامية الإسرائيلية "التطبيع العربي مع إسرائيل" بأنه "الحدث الأهم في العقد الأخير في العلاقات العربية الإسرائيلية"، فإن ذلك في الصميم، نعم أن التطبيع العربي هو الأخطر، وحينما كان نتنياهو رحب بتصريحات وزيري خارجية الإمارات والبحرين- منذ مدة غير بعيدة- "اللذين نددا بعدوانية حزب الله وعجز لبنان الذي يسمح له بالعمل"، معتبرا "أن هذه التصريحات "تبدو كأنها في أيام المسيح (المنتظر) وتشير إلى تغيير جذري في الشرق الأوسط"، فهل تبقى هناك دلالة أشد وضوحًا وخطورة من ذلك على خطورة التطبيع العربي الرسمي المتهافت مع عدو الامة...؟!
وفي ظل هذا التهافت التطبيعي العربي الرسمي، الذي يفجر في عقولنا ونفوسنا أسئلة لا حصر لها حول طبيعة الحكام العرب ومن أي طينة خلقوا وجاءوا، دعونا نذهب إلى ذلك الجانب -الصهيوني-، فماذ يقول الاسرائيليون الذين يعتبرون صراعهم مع الأمة العربية صراعًا وجوديًا ويعملون على تفكيك الأمة والدول والوحدة العربية إلى جزيئات وشظايا -عن هؤلاء الحكام- كي يسهل عليهم السيطرة الاستراتيجية على العرب والمنطقة برمتها...؟!
 ففي كلمة ألقاها نفتالي بينيت في مؤتمر المنظمات اليهودية الأمريكية الذي عقد في القدس ، قال: "إن الدول العربية المحيطة بإسرائيل في حالة انهيار، وليس هناك داع للانسحاب وخوض التجربة لمعرفة ماذا سيحصل إذا ما قامت دولة فلسطينية على بعد 10 دقائق سفر من القدس، مضيفًا أن انسحابًا إسرائيليًا من الضفة الغربية التي أسماها "يهودا والسامرة" سيفضي الى نتائج مشابهة لنتائج الانسحاب من قطاع غزة–".
    وكان سلفان شالوم وزير الخارجية الاسرائيلي السابق ومن أبرز القيادات الصهيونية، قد أعلن ذلك من على منبر الأمم المتحدة، قائلًا "ان الجدار الحديدي العربي بين العرب وإسرائيل أخذ يسقط"، وأضاف بمنتهى الوقاحة الابتزازية: "إن على من يريد أن يساعد الفلسطينيين فليتعاون مع إسرائيل، وهذا شرط مسبق لأي دولة تريد ذلك".
   وقال الكاتب عمانويل سيفان في هآرتس: "بينما نغرق في جدال نظري في مسألة إذا كانت توجد قومية يهودية، تجري عملية هامة في واقع الشرق الأوسط: الدولة القومية العربية، التي كانت الأساس للنظام العربي منذ 1970، بدأت تتشقق، وتكاد تختفي في ستة بلدان، والعملية لا تزال مستمرة".. 
 وفي هذا السياق كذلك صرح الجنرال الاسرائيلي يوسي كوبر فاسر، رئيس دائرة الأبحاث في شعبة الاستخبارات الإسرائيلية الذي يطلقون عليه هناك "العقل المدبر مستخلصًا": "إن العرب شغوفون بإعفاء أنفسهم من المسؤولية وتفكيرهم يخضع لغرائزهم ...". وعمليا لا ينفرد هذا الجنرال في هذه القراءة.. فهناك عدد كبير من كبار جنرالاتهم وسياسييهم وباحثيهم، يقرأون الأحوال والقيادات والقمم العربية  بالمنهجية ذاتها ...!
فها هو الجنرال احتياط أوري ساغي رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية سابقًا، كان قد لخص قراءته للواقع العربي بعد غزو العراق قائلا: "لم يعد هناك اليوم قومية عربية شاملة في الصراع ضد إسرائيل".
بينما كان الجنرال موشيه يعلون رئيس أركان الجيش الإسرائيلي سابقًا، قد بسط رقعة بازل استراتيجية مكونة من قطع مختلفة مرتبطة ببعضها البعض: العراقية والإيرانية والسورية والليبية والفلسطينية "والإرهاب" والتهديدات غير التقليدية، ليعرب في الخلاصة عن تفاؤله، مؤكدًا أيضًا: "نحن لم نعد نتحدث عن عالم عربي، ولا عن وحدة عربية، وإنما يدور الحديث عن مصالح فئوية خاصة".
   ولعل الكاتب الاسرائيلي المعروف "غاي باخور"، كان الاقرب في قراءته السيكولوجية للواقع الرسمي العربي وللشخصية العربية من الآخرين، حيث كتب "في يديعوت احرونوت، قائلا: ".. لا يمكن أن نشير ولو إلى زعيم عربي واحد برز بأفعاله، كلهم يبرزون بعدم بروزهم، يهربون من كل فكرة تغيير.. ويخافون من المستقبل، ويحتجزون الإصلاح وراء القضبان، ويتمسكون بالحاضر بأظافرهم... وهم مشغولون بالحفاظ على أنفسهم فقط، وبقية الشعوب العربية بلا قيادة"، ويستشهد الكاتب الإسرائيلي هنا بما تنبأ به الشاعر السوري نزار قباني في الثمانينات في قصيدته "متى سيعلن موت العرب؟" فـ "الأمة العربية -كما كتب- ماتت بذنب الطغاة الذين يمشون على جثث بلا رؤوس".
فلماذا وصلت أوضاع الأمة إلى ما هي عليه اليوم...؟ وما العوامل والدوافع الداخلية والخارجية التي قادت إليها...؟ وما دور السياسات الرسمية العربية في هذا النطاق؟ وما دور مؤسسة القمم العربية في تكريس أو تغيير الأوضاع...؟ وما الآفاق الحقيقية لفجر عربي جديد في ظل عالم جديد أحادي القطبية والهيمنة وفي ظل نظام شرق أوسطي جديد...؟ ثم ما جدلية العلاقة ما بين النظام العربي والنظام الشرق الأوسطي الذي يقوم بالأساس على استحقاقات حرب الخليج وتدمير العراق استراتيجيًا، وبالتالي على ما يسمى "عملية السلام والتعايش والتطبيع" مع دولة الاحتلال الإسرائيلي...؟
كل هذه وغيرها الكثير من الأسئلة والتساؤلات والتصورات والسيناريوهات تطرح نفسها اليوم بقوة متعاظمة. ونعود لقباني، فماذا كان سيقول يا ترى في ضوء ما جرى ويجري في المشهد العربي على الموت وعلى الطغاة الذين يمشون على جثث بلا رؤوس...؟!